السلمي
182
المقدمة في التصوف
عادة الامتنان ؟ يا من أذاق أحبّاءه حلاوة مؤانسته فقاموا بين يديه متملّقين ، ويا من ألبس أولياءه ملابس هيبته فقاموا بعزّته مستعزّين ، أنت الذّاكر من قبل ذكر الذّاكرين ، وأنت الباديء بالإحسان من قبل توجّه العابدين ، وأنت الجواد بالعطاء من قبل طلب الطّالبين ، وأنت الوهّاب لنا ثمّ أنت لما وهبتنا من المستقرضين ، إلهي اطلبني برحمتك حتّى أصل إليك واجذبني بمنّتك حتّى أقبل عليك ، إلهي إنّ رجائي لا ينقطع عنك وإن عصيتك ، كما إنّ خوفي لا يزايلني وإن أطعتك ، إلهي قد دفعتني العوالم إليك وقد أوقفني علمي بكرمك عليك ، إلهي كيف أخيب وأنت أملي ؟ أم كيف أهان وأنت متّكلي ؟ إلهي كيف أستعزّ وفي الذّلّة أركزتني ؟ أم كيف لا أستعزّ وإليك قد نسبتني ؟ إلهي كيف لا أفتقر وأنت الّذي في الفقر أقمتني ؟ أم كيف أفتقر وأنت الّذي بجودك أغنيتني ؟ أنت الّذي لا إله غيرك تعرّفت لكلّ شيء فما جهلك شيء ، وأنت الّذي تعرّفت إليّ في كلّ شيء ، فرأيتك ظاهرا في كلّ شيء ، فأنت الظّاهر لكلّ شيء ، يا من استوى برحمانيّته على عرشه فصار العرش غيبا في رحمانيته ، كما صارت العوالم غيبا في عرشه ، محقت الآثار بالآثار ، ومحوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار ، يا من احتجب في سرادقات عزّه عن أن تدركه الأبصار ، يا من تجلّى بكمال بهائه ، فتحقّقت عظمته الأسرار ، كيف تخفى وأنت الظّاهر ، أم كيف تغيب وأنت الرّقيب الحاضر ؟ * * *